انتقل إلى المحتوى الرئيسي
ضبط حجم الخط
ضبط التباين
التمكين القانوني

الحماية القانونية للأشخاص من ذوي الإعاقة (12)

الكاتب
تاريخ النشر
وقت القراءة 1 دقائق

نستكمل سلسلتنا بمقال جديد يتناول مواد من القانون رقم (22) لسنة 2025 بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة. نخصص هذا المقال لتسليط الضوء على الحماية الجنائية المقررة للأشخاص ذوي الإعاقة من خلال نصوص الفصل الرابع والأخير (فصل العقوبات)، حيث يتبنى المشرّع في هذا الفصل فلسفة ردع حاسمة تهدف إلى صون كرامة وحقوق هذه الفئة ونقلها من حيز الضمانات الخدمية إلى حيز الحماية الجنائية الملزمة.

أولاً: الجرائم الثلاث الواردة في المادة (32) وعقوبتها

حددت المادة (32) من القانون عقوبة مشتركة وهي الحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر، وبالغرامة التي لا تزيد على (100,000) مائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، على من يرتكب أحد الأفعال والجرائم الثلاث التالية:

  1. مخالفة الالتزام بحظر نشر أو إفشاء أي بيانات أو معلومات تخص الأشخاص ذوي الإعاقة أو شؤونهم إلا بموافقتهم أو بناءً على حكم قضائي (مخالفة المادة 4/ فقرة أخيرة).
  2. مخالفة الحظر القاطع لإجراء أي تجارب طبية أو علمية أو دوائية على الشخص ذي الإعاقة دون الحصول على موافقته الحرة المستنيرة (مخالفة المادة 30).
  3. الإهمال العمدي من قِبل أي شخص ملزم قانوناً أو اتفاقاً برعاية أحد الأشخاص ذوي الإعاقة وتهاونه في القيام بواجباته تجاهه.

(وتُشدد العقوبة في الجريمة الثالثة لتصل إلى الحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات والغرامة التي لا تزيد على 500,000 خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ترتب على هذا الإهمال وفاة الشخص ذي الإعاقة).

ثانياً: التحليل القانوني المقارن مع قانون العقوبات العام

عند فحص هذه المنظومة الجنائية ومقارنتها بـ قانون العقوبات القطري رقم (11) لسنة 2004، يتضح لنا كيف وزّع المشرّع الحماية بين استحداث نصوص جديدة وتغليظ نصوص قائمة:

  • الجرائم المستحدثة (حماية الخصوصية والتجارب):
    تعتبر الجريمتان (الأولى والثانية) المتعلقتا بحظر إفشاء خصوصية ذوي الإعاقة، وحظر إجراء التجارب العلمية والطبية عليهم دون موافقة مستنيرة، من الجرائم المستحدثة خصيصاً في قانون رقم (22) لسنة 2025؛ إذ يخلو قانون العقوبات التقليدي العام من نصوص خاصة تجرّم هذه الأفعال الموجهة ضد هذه الفئة تحديداً، مما يمثل سداً للفراغ التشريعي وحماية استباقية لكرامتهم وحريتهم الشخصية.
  • الجريمة المشددة (الإهمال العمدي للمكلف بالرعاية):
    أما جريمة (الإهمال العمدي للمكلف بالرعاية)، فقد كانت قائمة في أصلها العام في قانون العقوبات رقم (11) لسنة 2004 (وتحديداً المادة 312 التي تعاقب على ترك أو إهمال طفل أو عاجز بالحبس مدة لا تجاوز سنتين). وهنا نلمس التشديد الصارم في قانون ذوي الإعاقة الجديد؛ حيث رفع المشرّع سقف الغرامة المالية في الحالات العادية إلى 100 ألف ريال كعقوبة تكميلية أو بديلة، وغلّظ العقوبة عند الوفاة بشكل غير مسبوق لتصل للحبس 5 سنوات وغرامة نصف مليون ريال. وهذا التشديد يرجع إلى جسامة الفعل ومستحق الرعاية اللصيقة التي يحتاجها الشخص ذو الإعاقة.

ثالثاً: مادة (33) – الردع المالي لضمان نفاذ الحقوق التمكينية

تنص المادة (33) على فرض عقوبة الغرامة التي لا تزيد على (50,000) خمسين ألف ريال، على كل من يخالف الأحكام والالتزامات التنفيذية والتيسيرية الشاملة التي كفلها القانون للأشخاص ذوي الإعاقة (مثل امتناع جهات العمل عن توفير متطلباتهم، أو الإخلال بتيسير الوصول العمراني والنفاذ الرقمي، أو الامتناع عن تقديم التسهيلات المصرفية والخدمية المعتمدة).

التعليق والتحليل المقارن:

يمثل هذا النص تجريماً خاصاً وإضافة تشريعية بالغة الأهمية تسد فراغاً كبيراً؛ فبالرجوع إلى قانون العقوبات القطري رقم (11) لسنة 2004، نجد أنه يخلو بطبيعته التقليدية العامة من تجريم الامتناع عن تقديم “ترتيبات تيسيرية” أو ممارسات التمكين الشامل في قطاعات العمل أو البيئة الرقمية والمصرفية. وجاءت المادة (33) لتخلع رداء التوجيهات الأدبية والخدمية عن هذه الحقوق، وتكيف هذه المخالفات الإدارية والمؤسسية بوصفها جرائم تستوجب العقاب المالي الرادع، مما يضمن التزام الشركات والمؤسسات بتعديل بيئاتها ولوائحها خوفاً من طائلة المسؤولية الجنائية.

بهذا نكون قد فككنا البنية العقابية للمادتين (32) و(33) وأبعادهما المقارنة، ونستكمل في المقال القادم بإذن الله المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنويين (الشركات والمؤسسات) لبيان كيف يطال العقاب الكيانات الكبرى إذا تهاونت في حقوق ذوي الإعاقة.

والسلام موصول للجميع.

 

الكلمات المفتاحية