Press "Enter" to skip to content

العقل والحرية.. حين تسقط شماعة الأصول والظروف

حين ننتقل من ضفاف التشريعات القانونية إلى رحاب القرآن الكريم، نجد أنفسنا أمام خطاب إحيائي يخاطب وجدان الإنسان. فالإنسان في ديننا ليس كائناً مسيّراً تجره الجينات، بل هو خليفة مُكرَّم أودع الله فيه عقلاً راجحاً ليكون هو الميزان والفيصل في كل قرار.

1. العرق والبيئة.. كالسحابة التي لا يلزمها المطر

اعتاد الناس ترديد مقولة “العرق دساس” شماعة للتعليل والتبرير. لكن الحقيقة أن الأصل أو البيئة قد يحملان الاستعداد، تماماً كالسحابة التي تحمل في جوفها مطراً غزيراً، ولكن ذلك لا يلزم حتماً أن تنهمر بالمطر في كل مكان تمر عليه. فالأصول توفر مناخاً، لكنها لا تصنع مصير الإنسان ولا تسلب إرادته.

2. العمى الحقيقي.. عمى القلوب لا الأبصار

حين يبلغ الإنسان سن التكليف ويصل إلى مرحلة الوعي الكامل، يتحدد مصيره بناءً على ما يختاره عقله. والعمى الحقيقي في منظور القرآن ليس في الظروف ولا في قسوة الواقع، بل هو ما قرره المولى عز وجل:

(فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) [الحج: 46]. فحين يعطل الإنسان عقله ويستسلم للأعذار، يفقد بوصلة النجاة.

3. براهين القرآن.. حين يسقط الجبر أمام الاختيار

في كتاب الله نجد أصدق برهان على أن الأصل لا يلغي الاختيار الفردي:

(وضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين صالحين فلم يغنيا عنهما شيئاً، وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابني لي عندك بيتاً في الجنة) [التحريم: 10-11]. امرأة نوح وامرأة لوط عاشتا في أطهر بيوت النبوة فلم ينفعهما قرب الأنبياء مع كفرهما، وامرأة فرعون خرجت من قصر أطغى طغاة الأرض لتصنع طريق نجاتها. وتتأكد القاعدة الكبرى في قوله تعالى: (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها) [الشمس: 9-10]، فالتزكية والدس فعلان إنسانيان ذاتيان في دائرة المسؤولية الفردية.

4. سقوط شماعة “الطفولة” ووهم “الضحية”

تروج اليوم ثقافات وافدة تحول كل مشكلة عادية إلى “صدمة نفسية أبدية” ليظل الإنسان يتقمص دور الطفل الصغير هرباً من تحمل المسؤولية. وهذا مسلك مرفوض؛ فالإنسان العاقل المخير لا يجوز له اتخاذ “صدمات الطفولة المزعومة” شماعة لهروبه من استحقاقات النضج.

رسالة إلى الأجيال

يا شبابنا وأجيالنا القادمة؛ يا من هداكم الإسلام لتعلموا أن كل نفس بما كسبت رهينة، لا تسألوا أنفسكم أبداً: “ماذا ورثنا من بيوتنا وآبائنا؟” ولا تعلقوا مصيركم على تقليد الآخرين كالإمعة لمجرد مجاراة “الموضة”. اسألوا أنفسكم بصدق بمنهج الإسلام الذي كرمكم: من أنتم؟ وماذا ترغبون أن تكونوا عند الله؟ عقلكم هو مصدر التكليف، واختياركم الإيماني الواعي هو وحده من يصنع مصيركم ومستقبلكم.

والسلام موصول للجميع

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *